عمر فروخ

65

تاريخ الأدب العربي

الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ . أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » . وكما فرضت الحياة البدوية على الجاهلي مساويء من الغزو والثأر والحميّة الجاهلية ووأد الأولاد وشرب الخمر أحيانا ولعب الميسر ، فإنها غرست فيه أيضا محامد من الوفاء والكرم والنجدة والشجاعة والحفاظ على العرض وعلى خير القبيلة ووحدتها . حتى الميسر لم يكن شرا كلّه : كانت الإبل التي تنحر « ليجري عليها اللعب » تقسم بين الذين لا يجدون قوتا حينما يشتدّ البرد في البادية ( وكان الميسر عادة من ملاهي الشتاء ) . ولكنّ الميسر ، وان كان قد أنقذ أفرادا من الجوع والموت ، فإنه قد أفقر نفرا من الأغنياء أو تحول إلى ألهية سيئة تقتل الوقت وتثير الأحقاد . الحياة الاقتصادية نجد بادية في الأكثر . من أجل ذلك كان سكان نجد أهل رحلة ينتقلون بإبلهم وأنعامهم من مكان إلى آخر طلبا للماء والمرعى . وكان من أسباب معيشة البدوي الغزو ، وذلك أن يهاجم جماعة من البدو جماعة أخرى للاستيلاء على مواشيها غصبا . أما إذا استولى البدوي على شيء وأهله غائبون فذلك هو السرقة . أما الحضر فكانوا يسكنون القرى ( المدن ) ويعيشون على شيء من الزراعة في الأقل ، وعلى التجارة في الأكثر . وكانت متاجرهم من فارس والحبشة واليمن إلى الشام والعراق ومصر . وأشهر مدنهم التجارية كانت أمّ القرى ( مكة ) والطائف ويثرب ومدين ، وهذه في الحجاز ، ثم دومة الجندل في نجد ، وسواها . ولم يكن الذين يعملون في الزراعة ، وفي الصناعة على الأخص ، يتمتّعون باحترام ما ، فالاخطل لمّا أراد أن يهجو الأنصار من أهل المدينة قال لهم : « وخذوا مساحيكم ، بني النجّار » ، دلالة على أنهم مزارعون . أما جرير فكان يعيّر الفرزدق بأن أجداده بنو القين ، سمّوا بذلك لأنهم كانوا حدّادين . وكان الربا يدرّ على سكان المدن أرباحا طائلة : كان الربا فائدة فاحشة تاريخ الأدب - 5